انعكاسات عزل مرسي على تنظيمات الإخوان المسلمين في الإقليم
السبت 20/7/2013م    20:50م
محمد عبدالله يونس

 

 

لم يكن تداعي حكم الإخوان المسلمين في مصر تحولا تقليديًّا في صراع داخلي على السلطة بقدر ما يعتبر محكًّا فاصلا في مصير فروع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين على مستوى الإقليم، سواء من خلال التحديات التي تعترض البقاء في السلطة بالنسبة لحركة النهضة التونسية وحزب العدالة والتنمية في تركيا ونظيره في المغرب، أو عرقلة صعود الإخوان للسلطة، أو اعتبارهم بديلا للنظام القائم في اليمن وسوريا والجزائر، وتراجع قوة ضغط تلك التنظيمات على مؤسسات الحكم في الأردن والكويت وبقية دول الخليج العربي، في إطار معادلات ترابط المحاكاة Emulative Linkage، والتي من المتوقع أن تؤدي إلى موجة انحدار متزايدة.

 

مخاوف متصاعدة

تكشف مراجعة مواقف القيادات السياسية والمرجعيات الدعوية المنتمية لجماعة الإخوان المسلمين في دول الإقليم عن تصاعد حدة المخاوف من تداعيات الإطاحة بالإخوان من الحكم في مصر على قدرة التنظيم على البقاء السياسي، وهو ما يرتبط بالأنباء المتواترة حول انعقاد مؤتمر لممثلي التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين في تركيا في 12 يوليو الجاري، لبحث تطورات الأوضاع في مصر، وتداعياتها على مستقبل التنظيمات والأحزاب المنتمية للجماعة، خاصة انهيار ضمان مصر لبقاء حركة حماس في السلطة في قطاع غزة، واحتمالات الإطاحة بالإخوان من السلطة في تونس والمغرب.

ويستدل على هذه المخاوف بمواقف القيادات القريبة من جماعة الإخوان المسلمين، مثل تنديد رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته أحمد داود أوغلو بالإطاحة بمرسي، واعتباره 'انقلابًا عسكريًّا' ومحاولة تركيا دفع مجلس الأمن لاتخاذ قرارات ضد مصر بعد الاشتباكات الدامية في محيط الحرس الجمهوري، وهو ذات الموقف الذي تبناه حسن الترابي زعيم الحركة الإسلامية في السودان، ورياض الشقفة المراقب العام لإخوان سوريا، وقيادات حزب العدالة والتنمية في المغرب، خاصة وزير الدولة المغربي عبد الله باها القريب من رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، وعبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم في الجزائر.

بينما كانت مواقف إخوان الأردن الأكثر حدة؛ حيث اعتبر رئيس حزب جبهة العمل الإسلامي حمزة منصور أن ما حدث في مصر هو 'انقلاب بشع' ومؤامرة أمريكية إسرائيلية على حكم الإخوان المسلمين، مستبعدًا أن يتكرر ذات السيناريو في الأردن، بينما دعا زكي بن أرشيد نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين وحدات الجيش المصري للانشقاق، وتكوين ما أسماه بالجيش المصري الحر في 8 يوليو الجاري عقب أحداث الحرس الجمهوري، وذلك اتساقًا مع دعوة مراقب عام إخوان الأردن همام سعيد إلى النفير العام و'التوجه إلى ساحات الجهاد في مصر من أجل انتزاع السلطة، وإعادة الحكم إلى يد الجماعة' على حد تعبيره، فضلا عن مطالبة حزب جبهة العمل الإسلامي الأردني لعبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية والقيادي السابق بجماعة الإخوان في مصر بالرجوع عن دعم الرئيس المصري المؤقت، والانضمام للمعتصمين بميدان رابعة العدوية.

 

تهديدات البقاء

لا تنفصل المخاوف الإخوانية مما حملته التحولات في مصر من دلالات على مصادر التهديد لبقاء التيارات الإسلامية كفصيل سياسي يتمتع بشرعية الممارسة السياسية، والتطلع للوصول للسلطة، والحفاظ على استدامة صعودها السياسي المتواصل منذ الثورات العربية؛ إذ إن الإطاحة بحكم محمد مرسي في مصر كشفت عن مكامن متعددة لتهديد مختلف التيارات الإسلامية في السلطة والمعارضة على السواء:

1- معضلة التدخل العسكري: يأتي تحدي تدخل المؤسسة العسكرية في معادلات السلطة على رأس مخاوف الأحزاب والتيارات التابعة لجماعة الإخوان المسلمين في الإقليم التي وصلت لسدة الحكم، وخاصة حزب العدالة والتنمية التركي الذي واجه محاولات انقلابية في 2007، والتي كشف عنها في إطار قضية تنظيم أرجنكون السري والتي أحالت عشرات القيادات العسكرية للمحاكمة، ولذلك سارع حزب العدالة والتنمية إلى تمرير تعديل المادة 35 بالدستور التركي في 12 يوليو الجاري التي تعطي الحق للجيش في التدخل لحماية البلاد من المخاطر الداخلية في حالة عدم قدرة السلطات المدنية على الدفاع عن المبادئ الدستورية والتي سمحت بالانقلابات العسكرية في عامي 1971 و1980 ومن ثم باتت مهمة القوات المسلحة قاصرة على مواجهة التهديدات الخارجية.

بينما ثارت تخوفات لدى حركة النهضة في تونس من رئيس أركان القوات المسلحة اللواء محمد الصالح حامدي الذي تم تعيينه في 9 يوليو الجاري من أن يكرر تجربة الفريق أول عبد الفتاح السيسي في مصر مع تصاعد ضغوط المعارضة، وتأسيس حركة تمرد التونسية، وتشابه الخصائص الشخصية لحامدي مع الفريق السيسي من حيث الانتماء للجيل الأصغر بالمؤسسة العسكرية، وغضب القوات المسلحة من غياب الحسم مع التنظيمات الراديكالية في جبل الشعباني، فضلا عن المخاوف المتصاعدة من الشعبية الطاغية التي يحظى بها رئيس الأركان السابق الجنرال رشيد عمار التي تؤهله لخوض المعترك السياسي، وقيادة المعارضة في مواجهة حركة النهضة.

2- تصاعد زخم المعارضة: حيث اكتسبت التيارات المناوئة للإخوان المسلمين زخمًا متصاعدًا، وهو ما تجلى في دعوة الباجي قائد السبسي زعيم حزب نداء تونس إلى تفكيك حكومة الترويكا الحاكمة بزعامة حركة النهضة، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني، وهي ذات الدعوة التي وجهها حميد شباط الأمين العام لحزب الاستقلال المنسحب من الائتلاف الحكومي في المغرب، بقوله إن 'على رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران أن يرحل كما رحل أخوه الإخواني محمد مرسي' فضلا عن دعوة حزب الأصالة والمعاصرة المعارض لحزب العدالة والتنمية استخلاص العبر مما حدث في مصر، والابتعاد عن الانفراد بالسلطة.

3- تواصل الحراك الشعبي: لم يقتصر الزخم على حركة المعارضة وإنما على استلهام تكتيكات المعارضة السياسية مثل تجربة تمرد التي انتشرت في أرجاء الإقليم، حيث أعلن محمد بالنور في 13 يوليو الجاري نجاح حركة تمرد التونسية في جمع 200 ألف توقيع لحل المجلس الوطني التأسيسي والحركات الدينية، وأن الحركة ستسعى إلى جمع 2 مليون توقيع قبل النزول للشارع، بينما دعت حركة تمرد في المغرب للتظاهر ضد حكم حزب العدالة والتنمية في 17 أغسطس القادم للمطالبة بالملكية الدستورية وإقالة الحكومة. كما استغل حزب الأمة السوداني بزعامة الصادق المهدي ذات الزخم للإعلان عن تدشين حركة للتمرد، والتظاهر ضد حكم المؤتمر الشعبي بزعامة البشير. في المقابل، استبق الحراك الاحتجاجي في تركيا وقوع التحولات في مصر بفض اعتصام المعارضة في ميدان التقسيم بالقوة، ما أسفر عن مقتل 5 أشخاص، وإصابة المئات، والإعلان عن نشر الشرطة في الجامعات في 13 يوليو الجاري لتحجيم نشاط المعارضة مستقبلا.

4- تفكك التحالفات: حيث أدت الموجة الثورية الجديدة في مصر إلى تفكيك تحالفات الإخوان المسلمين في عدة دول، وهو ما حدث مع انسحاب حزب الاستقلال في المغرب من الائتلاف الحاكم بزعامة حزب العدالة والتنمية، مما يضع الحزب أمام اختيارين معقدين، أولهما تأسيس تحالف جديد يضم أحد أحزاب المعارضة خاصة حزب التجمع الوطني للأحرار الحائز 52 مقعدًا في البرلمان والمقرب من المؤسسة الملكية، إلا أن التناقضات الأيديولوجية قد تدفع عبد الإله بن كيران للخيار الثاني وهو الدعوة لإجراء انتخابات برلمانية مبكرة.

بينما يواجه حزب التجمع اليمني للإصلاح انتقادات حادة من تحالف أحزاب اللقاء المشترك التي تعود إلى سعي الحزب للانفراد بمكاسب السلطة، خاصة بعد ما كشف عنه الزعيم القبلي الشيخ خالد الذهب حول تعيين 220 قاضيًا من حزب الإصلاح، وتوظيف طلاب من جامعة الإيمان التي يرأسها الشيخ عبد المجيد الزنداني في مواقع هامة في القضاء، فضلا عما كشفه ممثل الحوثيين في الحوار الوطني من قيام اللواء علي محسن الأحمر المستشار العسكري للرئيس عبد ربه هادي بضم 100 ألف من كوادر الإخوان المسلمين إلى مؤسسات الجيش والأمن.

 

تراجع المكانة

من المرجح أن التحديات سالفة الذكر تؤدي إلى تغير خريطة نشاط جماعة الإخوان المسلمين في الإقليم، سواء بتداعي بعض فروع التنظيم وعودتها للعمل الدعوي، أو حدوث انشقاقات داخلية في البعض الآخر، أو بالاتجاه نحو خفض التوقعات السياسية والكف عن مناوأة نظم الحكم بصورة مؤقتة، ومن المرجح أن تشمل تلك التداعيات ما يلي:

1- تصدع المشاركة في السلطة: وتعتبر حركة النهضة التونسية المرشح الأول لمواجهة هذا التحدي بتراجع شعبية الحركة وزخم المعارضة السياسية الذي تواجهه خاصة منذ اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد في فبراير 2013، بما دفع الحركة إلى تفكيك حكومة حمادي الجبالي، وتعيين حكومة جديدة بقيادة علي العريض. ولعل إخفاق النهضة في انتخابات الهيئة الوطنية للمحامين وصعود مرشحي اليسار في مطلع يوليو الجاري وما كشفت عنه استطلاعات الرأي من تصدر الباجي قائد السبسي لاستطلاعات الرأي حول المرشحين للرئاسة بنسبة 33.8% يبرهن على تراجع النهضة في تونس، وهو ما أكدته تصريحات نائب رئيس حركة النهضة عبد الفتاح مورو في يوليو الجاري من مواجهة ذات مصير جماعة الإخوان المسلمين في مصر، محذرًا من أن النهضة لن تحقق أكثر من 20% في الانتخابات المقبلة بسبب تراجع شعبيتها، وما يستدل عليه بنتائج استطلاع المرصد الوطني للشباب في 11 يوليو الجاري من تصاعد الداعين لانتخابات مبكرة بين الشباب إلى 39%. ذات الأمر ينطبق على حزب العدالة والتنمية في المغرب بعد تفكك الائتلاف الحكومي الذي يتصدره، وتكتل أحزاب المعارضة السياسية ضده، ورفضها إعادة تشكيل الائتلاف معه، بما يجعل الانتخابات المبكرة خياره الوحيد.

2- انهيار نموذج الصعود: حيث فقدت تنظيمات الإخوان المسلمين النموذج المصري الذي سعت إلى محاكاته في الصعود للسلطة، وهو ما قد يدفع باتجاه تغيير نهج علاقاتها بالسلطة، فمن المرجح بالنسبة لإخوان الكويت التفكير في العودة للاندماج في العملية السياسية بعد مقاطعة انتخابات مجلس الأمة المقررة في 27 يوليو الجاري، وبالنسبة لإخوان الأردن وحزب جبهة العمل الإسلامي فإن قرار مقاطعة الانتخابات المحلية الذي تم اتخاذه في 26 يونيو الماضي قد لا يكون ملائمًا، كما أن الاحتجاجات التي تتضمن شعارات مناهضة للملك وتلويحًا بمصير قادة دول الثورات العربية قد يتم الامتناع عن تكرارها مستقبلا حرصًا على استعادة معادلة التعايش مع النظام الحاكم. بينما يواجه الإخوان المسلمون في سوريا معضلة انهيار ظهير إقليمي في مواجهة نظام الأسد، والتشكيك في قدرتهم منفردين على طرح بديل سياسي لنظام الحكم، وهو ما دفع الإخوان للتراجع عن طرح بديل لقيادة ائتلاف المعارضة السورية، ومن ثم تم إعلان أحمد عاصي الجربا المقرب من السعودية زعيمًا للائتلاف بعد التراجع عن ترشيح مصطفى الصباغ المدعوم من الجماعة ودولة قطر.

3- تزايد الانشقاقات الداخلية: حيث تواجه جماعة الإخوان المسلمين في الأردن سيناريو الانقسام خاصة بعد طرح الجناح المعتدل في الجماعة بقيادة رحيل غرايبة ونبيل الكوفحي مبادرة زمزم للتقارب مع المؤسسة الملكية، والكف عن الصدام معها قبيل نهاية يونيو الفائت، فضلا عن تمرد شباب الجماعة بقيادة أحمد العكايلة مسئول قطاع الشباب في الجماعة على القيادات ونهجها الصدامي، ودعواتها لانشقاق الجيش المصري في 10 يوليو الجاري، في المقابل تصاعدت قوة نظم الحكم في مواجهة التيارات الإخوانية المعارضة خاصة في الأردن والكويت، كما لم تعد ضغوط حركة مجتمع السلم الجزائرية حول خلافة الرئيس بوتفليقة تثير مخاوف مؤسسات الحكم بانشغال الحركة بتطورات الأحداث في مصر، وقرب عودة الرئيس من فرنسا.

وإجمالا يمكن القول إن تنظيمات الإخوان المسلمين تواجه موجة انحدار كاسحة تشمل أغلب أحزاب وامتدادات الجماعة العابرة للإقليم كأحد تجليات تداعي نموذج صعود الجماعة بعد الثورات العربية. ومن ثم باتت تواجه خيارات محدودة، أولها يتمثل في التصعيد والصدام مع خصومها للحفاظ على تماسكها بما قد يؤدي إلى عزلها سياسيًّا ومجتمعيًّا، وربما نزع المظلة القانونية عن ممارساتها، وثانيها يتمثل في محاولة الحفاظ على الأوضاع الراهنة وتوازنات القوى الهشة القابلة للانهيار مع أول تحدٍّ انتخابي يكشف تراجع تأييدها في الشارع، أما الخيار الثالث فيتمثل في مراجعة ثوابت الجماعة ونهج ممارساتها السياسية وتجديد صفوف القيادات ورأب الصدع المتفاقم مع الخصوم وهو ما قد يترتب عليه انشقاقات في صفوف تلك التنظيمات، لكنها ستؤدي على المدى البعيد إلى الحفاظ على بقائها كطرف فاعل في العملية السياسية.

(*) مدرس مساعد العلوم السياسية- جامعة القاهرة

إخفاء الكل
||
عرض كافة المشاركات
عدد المشاركات (0)
المشاركات تعبر عن وجهة نظر أصحابها فقط دون أدني مسؤولية منا
لا يوجــد مشــاركات
عنوان المشاركة
الاسم
البلد
المشاركة
500
كيف يرضى على نفسه وزير الداخليه الدكتور رامي الحمد الله ان يكون وزير برتبة طرطور وهو رئيس الوزراء ويترك الامور الاوضاع ...
فيديو: حفيد ديان يقترب من فيلا مشعل        الشعبية : حماس تخطيء اذا فكرت أن تلعب على خلافات فتح الداخلية        مركز حقوقي يحذر من نقص الوقود في مشافي غزة وتوقف مشفى الإمارات عن العمل        3 تكتلات سياسية كبرى تشكل خريطة المرشحين في تونس وتكتل السبسي الأكثر حظا بالفوز        إسرائيل: نظام جديد لتدمير العبوات والألغام قبل تفجيرها        الكشف عن أهم ملفات مفاوضات التهدئة بالقاهرة ومطالبات بتسلم الحرس الرئاسي للمعابر        هواجس إسرائيل 'الداعشية' تزداد: العين على الأردن        قادروف يبحث عن زعيم تنظيم 'الدولة الإسلامية'        مفتي مصر السابق: الزواج بدون أوراق حلال شرعاً        للفتاة الجامعية... كيف تبرزين جمالك؟        روسي يتعرى ويقطع أذنه باسم الفن        قبعة: الفصائل الفلسطينية تستعد لمواجهة 'التكفيريين' في المخيمات..وحزب الله تأخر في محاربة الارهابيين        الاحتلال يعتقل شابا ويداهم منازل في بيت لحم        سلق الإعمار واستمرار الحصار .        الفلسطينيون لا ينتظرون خيرا من تعهدات اعادة الاعمار        مخيم جنين بعيون إسرائيلية… «قلعة المقاومة»